أحمد مصطفى المراغي

159

تفسير المراغي

وخالف أمرى ، وترك العهد الذي أمرته ، به ولم يهتم بالعمل به ، ولم نجد له ثباتا في الرأي ولا تصميما في العزيمة . وخلاصة ذلك - إنه ترك ما وصّى به من الاحتراس من الأكل من الشجرة . ثم بين سبحانه ما عهد إليه به وكيفية نسيانه وفقدان عزمه فقال : ( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى ) أي واذكر أيها الرسول الكريم ما وقع في ذلك الحين منا ومن آدم ، حتى يستبين لك نسيانه وفقدان عزمه إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فلبّوا الأمر إلا إبليس فإنه امتنع وأبى أن يكون مع الساجدين . وقد تقدم هذا القصص في سورة البقرة والأعراف والحجر والإسراء والكهف ، وسيأتي ذكره في سورة ص ، وفيه إشارة إلى تكريم آدم وتشريفه ، وتفضيله على كثير ممن خلق . ( فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ) أي فقلنا له عقب ذلك رعاية لإرشاده ونصحه : إن هذا الذي رأيت منه ما رأيت - عدوّ لك ولزوجك ، ومن ثم لم يسجد لك وخالف أمرى وعصاني ، فلا تطيعاه فيما يأمر كما به . ( فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ) أي فلا يكونن سببا لإخراجكما من الجنة ، فتتعبا بمتاعب الدنيا التي لا تكاد تحصى . وخلاصة ذلك - إياك أن تسعى في إخراجك منها فتتعب وتشقى في طلب رزقك ، وأنت هاهنا في عيش رغد هنيء بلا كلفة ولا مشقة . ثم علل ما يوجبه النهى عن ذلك فقال : ( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى . وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ) أي لا يكون لك في الجنة جوع ولا عرى ، ولا ظمأ ولا إصابة بحر الشمس . وقرن بين الجوع والعرى أوّلا ، لأن في الجوع ذل الباطن وفي العرى ذل الظاهر ، وبين حر الباطن وهو العطش وحر الظاهر وهو الضّحى ثانيا .